
إغراق السفن... تكتيك حوثي يربك الملاحة في البحر الأحمر

مراصد
21/7/2025، 11:21:33 ص
عادت جماعة الحوثي إلى واجهة الأحداث مجدداً، بعد تصعيد جديد استهدف الملاحة الدولية في البحر الأحمر، ما أثار تساؤلات بشأن إمكانية لجوء الولايات المتحدة إلى عمل عسكري ضد الجماعة المدعومة من إيران.
ونفّذ الحوثيون حملة عنيفة ليومين متتاليين، استهدفت سفينتي شحن، قالوا إنها ترتبط بإسرائيل، ضمن حملتهم للضغط على تل أبيب للموافقة على وقف إطلاق النار في غزة.
التصعيد الأخير يُعد الأول من نوعه منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في مايو ايار الماضي، وقف الحملة العسكرية الجارية ضد الحوثيين، مقابل وقف المجموعة هجماتها على المصالح الأمريكية في المنطقة.
▪︎ عودة بقوة
وفي هذا الصدد.. أكدت صحيفة ذا صن "The Sun" البريطانية أن جماعة الحوثي عادت بقوة إلى واجهة التهديدات البحرية في البحر الأحمر، بعد هدوء دام سبعة أشهر. وأفادت الصحيفة، في تقرير لها، أن الهجمات الأخيرة شملت استهدافاً مباشرًا لسفينتين ضخمتين خلال أيام قليلة، الأولى، السفينة اليونانية " Eternity C "، تعرّضت لقصف بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ما أدى إلى مصرع أربعة من طاقمها وغرقها الكامل، أما الهجوم الثاني، فاستهدف السفينة " Magic Seas "، التي كانت تحمل طاقماً فلبينياً، وتمت مهاجمتها في ظروف مشابهة، مما أدى إلى غرقها أيضاً. ووفق الصحيفة، تشير تقارير إلى أن الحوثيين استخدموا زوارق مفخخة يتم التحكم بها عن بُعد، ووجهوا ضربات دقيقة إلى مستوى خط المياه، مما تسبب في غرق السفن بسرعة، لافتة إلى أن خبراء يصفون هذا الأسلوب بأنه تطور خطير يعيد إلى الأذهان أساليب القراصنة الصوماليين، ولكن بتقنيات أكثر تطوراً وفتكاً.

▪︎ تكتيك جديد
يأتي التصعيد والتكتيك الحوثي الجديد في توقيت حرج، في ظل تدارس واشنطن وطهران استئناف محادثاتهما، عقب حرب عنيفة بين إيران وإسرائيل، وفي موازاة مفاوضات غير مباشرة بين إسرائيل وحركة حماس في قطر. ويُقدّم الحوثيون التصعيد في البحر الأحمر كأداة ضغط على إسرائيل، تزامنا مع المفاوضات بشأن غزة في الدوحة، بحسب تصريح رئيس المجلس السياسي للحوثيين مهدي المشاط، عندما خاطب المقاتلين الفلسطينيين بعد الهجمات الأخيرة على السفن، قائلا " فاوضوا مرفوعي الرؤوس فنحن معكم وكل مقدرات شعبنا سند لكم حتى رفع الحصار ووقف العدوان عنكم". وينفي الحوثيون أي تغيير في سياستهم، إذ أكّد زعيمهم عبد الملك الحوثي أن قرار منع الملاحة على إسرائيل في البحر الأحمر وخليج عدن والبحر العربي "حازمٌ حاسم ثابت مستمر"، في كلمة له بعد الحملة الجديدة. ولم يتوقف الحوثيون أبداً عن مراقبة العبور في البحر الأحمر، وفق ما شرحت الباحثة في معهد واشنطن نعوم ريدان، مضيفة في تصريح صحافي، أنهم كانوا يتعقبون بعض السفن التجارية باستخدام طائرات مسيّرة وقوارب، وأن استئناف هجماتهم "كان مسألة وقت فقط".
▪︎ أوراق بيد إيران
يرى محللون في تصريحات الحوثيين رسالة مبطنة مفادها أن إيران لا تزال تملك أوراقا لم تلعبها خلال حرب الـ 12 يوما. وشرح الشريك المؤسس لمركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية ماجد المذحجي أن "هذا تذكير من الحرس الثوري عبر أهم حلفائه" بأن ما تحفظت عنه إيران خلال حربها مع إسرائيل قد تقوم بتفعيله، في ممرات بحرية مثل باب المندب أو هرمز أو السويس. وبرز الحوثيون كآخر ركائز "محور المقاومة" المدعوم من إيران في مواجهة إسرائيل، بعد إضعاف قدرات حزب الله اللبناني وحركة حماس الفلسطينية، ثم الإطاحة بنظام الرئيس السابق بشار الأسد في سوريا. من جانبه.. يرى الباحث في شؤون اليمن من معهد "تشاتام هاوس" البريطاني فارع المسلمي أن التصعيد الحوثي "خطوة قوة من جانب الحوثيين، للتقدم أكثر في محور المقاومة وإبراز القوة على المستويين الإقليمي والدولي". وفي ظل تعهدهم المتواصل بمواجهة اسرائيل، يسعى الحوثيون إلى ترسيخ قوتهم في المنطقة، لا سيما من خلال استهداف شريان بحري حيوي.

▪︎ توسع التكتيك القتالي
ويُظهر الهجومان الأخيران للحوثيين في البحر الأحمر توسّعاً ملحوظاً في التكتيك القتالي، إذ شمل استخدام زوارق هجومية سريعة ومسيّرات مفخخة وصواريخ صغيرة، ضمن هجمات مركبة متزامنة، من دون اللجوء إلى صواريخ بعيدة المدى حصراً. وقال المسلمي، الباحث في شؤون اليمن، إن الحوثيين تمكّنوا من تعزيز قوّتهم البحرية مدى العامين الماضيين، وأصبحوا "رواداً في الحروب البحرية بتقنيات وأسلحة متطورة". وأوضح أن هجماتهم في البحر الأحمر "وسيلة فعالة للغاية للتسبب في نزف للغرب بأكمله ومعظم الشرق"، في حين أن الصواريخ التي يطلقونها على إسرائيل تُلحق "ضررا محدودا" فقط. وكانت واشنطن شنّت حملة شرسة استهدفت مناطق سيطرة الحوثيين في اليمن استمرت أسابيع، قبل أن ينهيها اتفاق لوقف إطلاق النار في 6 أيار مايو الماضي بين الجانبين بوساطة عُمانية. لكن يبدو أن الحوثيين تعافوا بسرعة، إذ يقول المسلمي "رغم التأثير الكبير للحملة الأميركية على قدرات الحوثيين في مجال الاتصالات وبعض القدرات العسكرية، فإنهم لا يزالون يملكون مخزوناً ضخماً وأعادوا بناء اتصالاتهم بسرعة".
▪︎ مخاطر التصعيد
أدت هذه الهجمات إلى تراجع حركة الشحن في البحر الأحمر، بينما ارتفعت تكاليف التأمين البحري بشكل كبير، ما يهدد أحد أهم ممرات التجارة العالمية.
وعبّر خبراء عن مخاوفهم من أن استمرار هذه الهجمات قد يؤدي إلى شلل نسبي في النقل البحري الدولي. وأجبرت هجمات الحوثيين شركات شحن عدة على تغيير مسارات سفنها، ما أدى إلى تقلص حركة الملاحة عبر قناة السويس، الممر الحيوي الذي يمرّ عبره عادة نحو 12 % من حركة الملاحة العالمية، وفق الغرفة الدولية للشحن. وقالت الباحثة في معهد واشنطن، إن "معدل المرور عبر مضيق باب المندب لا يزال منخفضا مقارنة بعام 2023، فقد تقلّص بأكثر من 50 بالمئة". ولفتت الباحثة نعوم ريدان، إلى أن "إعادة تنشيط جبهة البحر الأحمر بطريقة غير مسبوقة وعنيفة سيصب في تعزيز سردية إسرائيل عن مخاطر الحوثيين وهي سردية لها جمهور واسع في العالم الغربي".

▪︎ ردود فعل اكثر حدة
وتردّ إسرائيل على الحوثيين بتنفيذ عدة ضربات على مواقع سيطرتهم في اليمن، بما فيها الموانئ ومطار العاصمة صنعاء. وقد تضع هذه الخطوة التصعيدية الحوثيين في مرمى ردود فعل أكثر حدة وتصعيد عسكري مضاد قد يكون أكثر اتساعا وشراسة، من أجل كسر قوة آخر حلفاء إيران في المنطقة. ويرى مراقبون أن التصعيد الحوثي سيفعّل خطط مواجهتهم، حتى تلك التي لم تنضج في السابق، حيث دعا وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، في مؤتمر صحافي، أوروبا إلى "إعادة النظر في نهجها في التعامل مع هذا التهديد"، في إشارة إلى الحوثيين، مضيفا "إنه تهديد للسلم والأمن الدوليين وللاقتصاد. إذا لم يُواجه الحوثيون، فستتفاقم هذه المشكلة". ويقول مدير السياسات في منظمة "متحدون ضد إيران النووية"، جيسون برودسكي، إن الضربات الأمريكية السابقة "أضعفت قدرات الحوثيين"، لكنها لم تنل من إرادتهم القتالية، محذراً من أن "الرسائل المترددة" من الغرب تعزز جرأة الحوثيين بدلاً من ردعهم.
▪︎ خيارات واشنطن مفتوحة
الى ذلك يقول عسكريون أميركيون ومحللون، في حديثهم لقناة "سكاي نيوز"، إن تجدد الهجمات الحوثية على الملاحة الدولية يعكس محاولة لإعادة فرض أوراق ضغط إقليمية، في الوقت الذي تُبقي واشنطن خياراتها مفتوحة، ما بين الرد العسكري أو الضغط السياسي والدبلوماسي. فيما يرى مدير مركز التحليل السياسي والعسكري في معهد هدسون الأميركي، ريتشارد وايتز، أنه لا توجد أدلة حتى الآن على استئناف البنتاغون العمليات العسكرية المباشرة والفورية ضد الحوثيين، لكن مع ذلك، تواصل الولايات المتحدة مساعدة إسرائيل في اعتراض الهجمات الصاروخية الحوثية، ولا تزال تحمي حركة الملاحة التجارية. وقال وايتز في حديثه لقناة "سكاي نيوز"، إنه "من شبه المؤكد أن مسؤولين من فريق ترامب ناقشوا هذا الأسبوع التهديد الحوثي مع نتنياهو وفريقه، وقد يؤدي ذلك إلى دعم عسكري أمريكي إضافي، لكن من غير المرجح أن نشهد ضربات جوية واسعة النطاق مرة أخرى، ما لم تتسع الهجمات الحوثية بشكل كبير". من جهته، قال مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق للشؤون السياسية والعسكرية، مارك كيميت، لقناة "سكاي نيوز"، إنه لا توجد مؤشرات على الأرض لتحرك عسكري أمريكي ضد الحوثيين بعد استئناف هجماتهم على السفن في البحر الأحمر. وأوضح "كيميت" الذي سبق أن شغل أيضا منصب نائب وزير الدفاع لشؤن الشرق الأوسط سابقاً، أن استراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط لن تشهد تغييراً على المدى المنظور، وبالتالي فلن تكون هناك احتمالية لحملة عسكرية واسعة سواءً أمريكية أو بمشاركة دولية.
![]()
▪︎ استراتيجية طويلة الأمد
ووفق المحلل الأمريكي وايتز فإن "الولايات المتحدة وإسرائيل وشركاء آخرين يحتاجون إلى تطوير استراتيجية طويلة الأمد تقوم على تعزيز قدرات الجيش اليمني، أو أي قوة محلية برية أخرى، لأن الضربات الجوية وحدها غير كافية"، مرجحًا أن ذلك "قد يتم تنفيذه بشكل سري، عبر وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية أو الموساد الإسرائيلي". لكنه شدد على أن "واشنطن لا تصمت"، مضيفا أن "الحكومة الأميركية، بالتنسيق مع الحلفاء والشركاء، ستواصل إدانة الحوثيين، وتوفير الدفاع الجوي والصاروخي للسفن التجارية، والضغط على إيران والصين لوقف مساعدتهما للحوثيين، وغير ذلك".
وختم حديثه بالتأكيد على أن "الحل طويل الأمد يتطلب مواجهة الحوثيين على الأرض".
▪︎ سيناريوهات أكثر خطورة
كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن، في السادس من مايو، بعد عملية الفارس الخشن "Operation Rough Rider"، أن الحوثيين "استسلموا"، وأنهم "لن يستهدفوا السفن مجدداً"، مؤكداً أن "القصف سيتوقف احتراماً لهذا الاتفاق".
لكن التطورات الأخيرة تقوّض هذا التصريح بشكل صارخ، إذ أعاد الحوثيون تصعيدهم بأساليب أعنف، ما يطرح تساؤلات حول فعالية الاستراتيجية الأمريكية السابقة، ومدى صدقية ادعاء "الاستسلام".
وأكد الخبير الأمني، ويل غيدز، أن إيران لا تزال تزود الحوثيين بأسلحة متطورة، وهو ما يجعل الهجمات الأخيرة مؤشرًا على بداية مرحلة جديدة أكثر عدوانية. وأضاف أن "التطور في أنواع الأسلحة، خاصة الزوارق المسيّرة والطائرات بدون طيار، يُنذر بمستقبل أكثر عنفاً ". من جهته.. يؤكد مارتن كيلي من مجموعة "EOS Risk Group " للأمن البحري، أن الحوثيين استغلوا الشهور الماضية لإعادة تخزين الصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيّرة، ما يفسّر القدرة المتجددة على تنفيذ هجمات متزامنة بهذا الحجم. وكانت سلطنة عمان قد توسطت في اتفاق بدأ سريانه في 6 مايو أيار الماضي، تعهدت فيه الجماعة الحوثية بالتوقف عن مهاجمة السفن الأميركية في البحر الأحمر مقابل وقف الحملة العسكرية الواسعة التي أطلقها ترمب، لكن الاتفاق لم يشمل إسرائيل. وشن الحوثيون أكثر من 150 هجوماً ضد السفن منذ نوفمبر 2023، ما تسبب في إرباك حركة الشحن الدولي عبر البحر الأحمر. وأدت الهجمات إلى غرق سفينة بريطانية وأخرى يونانية، إلى جانب غرق السفينتين الأخيرتين هذا الأسبوع.
كما أدت الهجمات إلى تضرر كثير من السفن الأخرى، فضلاً عن قرصنة السفينة "جالاكسي ليدر" مع اعتقال طاقمها لأكثر من عام.








