
إتفاق غزة... ثلاث معضلات كبرى.. السلاح والحكم والإعمار

مراصد
19/10/2025، 11:16:47 ص
في ساعات الفجر الأولى من 9 تشرين الاول 2025، انكسر حاجز الصمت في سماء غزة للمرة الأولى منذ عامين. لم تكن أصوات الطائرات الحربية هي التي تمزق الغلاف الجوي، بل تكبيرات المآذن من المساجد وأجراس النواقيس في الكنائس وأصوات احتفالات خرجت من الملاجئ.
"لقد انتهت الحرب"، هكذا نقل مراسل شبكة CNN عن سكان قطاع غزة وهم يعبرون عن "ارتياح مختلط بتفاؤل حذر". الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار، الذي جرى التوصل إليه في شرم الشيخ بوساطة من الولايات المتحدة ومصر وقطر وتركيا، مثل لحظة تاريخية. لكن السؤال الذي يلوح في الأفق، هو: هل هذه النهاية أم مجرد بداية لفصل جديد من الصراع؟ التساؤل الاستقصائي هنا، ما الذي سيحدث فعليا على طاولة المفاوضات وممكن ان ينتقل الى الأرض في غزة خلال الأشهر الستة المقبلة؟
▪︎ الاختبار الحقيقي
لن يكون الطريق من وقف إطلاق النار إلى السلام ممهداً. فالاتفاق الحالي، كما أشارت تحليلات مركز "ميتفيم" الإسرائيلي للأمن القومي، هو "مجرد هدنة مؤقتة وليس نهاية الحرب". على الأرض. قال مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى لصحيفة "هآرتس"، "بدأت القوات الإسرائيلية استعداداتها العملياتية لتنفيذ بنود الاتفاق، والتي ستشمل إعادة انتشار للقوات إلى خطوط جديدة خارج الكتل السكانية الكبرى". هذا يعني أن سيناريو الانسحاب الكامل غير مطروح في المدى المنظور. من جهتها، أفادت مصادر مقربة من حماس لشبكة "الجزيرة" بأن الحركة "ستلتزم بالهدنة طالما التزمت إسرائيل بشروطها"، لكنها تحتفظ بحق الرد في حال "انتهكت إسرائيل الاتفاق". هذه المعادلة الهشة تخلق ما وصفه خبير "مجموعة الأزمات الدولية" بأنه "وضع من اللا حرب واللا سلم، حيث يمكن أن تندلع المواجهات مرة أخرى بأقل استفزاز". التحليل التفصيلي وفقاً لتحليل نشرته "مجلة فورين أفيرز"، فإن "طبيعة الاتفاق الحالي تشبه إلى حد كبير اتفاقيات وقف إطلاق النار السابقة التي انهارت لاحقاً، لكن مع فارق مهم يتمثل في الضغوط الدولية غير المسبوقة على كلا الطرفين للوصول إلى تسوية". وأضاف التحليل، أن "الاختلاف الرئيسي هذه المرة هو أن كلاً من إسرائيل وحماس تدركان أن العودة إلى الحرب الشاملة سيكون ثمنها باهظاً جداً للطرفين، مما يخلق نوعاً من الردع المتبادل". ضمن هذا السياق، صحيفة وول ستريت جورنال في مقال لسمر سعيد وجاريد ملسين، بعنوان" نقاط التعثر في صفقة تحرير الرهائن في غزة"، تناول المقال جولة المفاوضات غير المباشرة التي تعقد بمدينة شرم الشيخ المصرية بين وفدي حركة حماس والحكومة الإسرائيلية، ووفقاً للمقال فإنه سيظهر هذا الأسبوع ما إذا كان التفاؤل الذي يُبديه الرئيس ترامب بشأن إمكانية إنهاء الحرب في غزة سيصمد أمام تعقيدات الواقع التي أفشلت محاولات سابقة كثيرة.

▪︎ الملفات الملغومة
ويشير الكاتبان إلى أن الشواغل الرئيسية للجماعة المسلحة تتمثل في تحديد جدول زمني للانسحاب التدريجي الإسرائيلي من غزة، وتحديد النقاط المحددة التي ستنسحب إليها تلك القوات، فإن منتقدي خطة ترامب داخل حماس سخروا من المقترح واعتبروه "هدنة لمدة 72 ساعة"، بدعوى أنه لا يحمل ما يكفي من الضمانات لمنع إسرائيل من استئناف القتال فور استعادة رهائنها، فضلاً عن عدم وجود إحداثيات دقيقة أو مواقع تفصيلية للانسحاب الإسرائيلي، وقضية ضمان حرية حركة حماس داخل غزة لجمع الرهائن وتسليمهم. كما يبدو من الخريطة التي أعدّها فريق ترامب أيضاً أن الفلسطينيين لن يكون لهم منفذ إلى الحدود المصرية في المرحلة الأولى، ما يعني استمرار الحصار فعلياً، وربما منع من يحتاج إلى المغادرة من الخروج. كما تخشى القاهرة من أن تُبقي إسرائيل قواتها على طول الحدود، وفقاً للمقال، هنا يكمن الجوهر الحقيقي للأزمة. بينما يركز الإعلام على تبادل الأسرى، فإن الملفات التالية هي التي ستحدد مصير غزة لسنوات قادمة.
▪︎ معضلة السلاح
صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشكل قاطع "نزع سلاح حماس يبقى هدفاً غير قابل للمساومة، وهو ضمان أمن إسرائيل الأساسي". فيما رد الناطق العسكري لكتائب القسام، أبو عبيدة، في تسجيل صوتي "سلاح المقاومة خط أحمر، لم ولن يتم التفريط به، وهو الذي فرض هذه الاتفاقية وليس كرم الرؤساء". هذا التناقض يخلق ما وصفه تحليل لـ"مركز كارنيغي للشرق الأوسط" بأنه "الحلقة المفرغة التي أفشلت كل المفاوضات السابقة". وأضاف التحليل، أن "المعضلة الحقيقية تكمن في أن نزع السلاح هو شرط إسرائيلي غير قابل للتفاوض، بينما يعتبره الفلسطينيون تنازلاً عن حقهم في المقاومة طالما استمر الاحتلال". فيما ذكر البروفيسور اسرائيل شاي فيلدمان، الخبير في القانون الدولي بجامعة تل أبيب، في حديث لـ"قناة 12 الإسرائيلية" أن "المشكلة ليست في السلاح نفسه، بل في غياب الثقة، إسرائيل تريد ضمانات أمنية مطلقة، والفلسطينيون يريدون ضمانات سياسية، بدون حل هذه المعادلة، سيبقى السلاح مصدر تهديد دائم"، من جهته، قال الباحث الفلسطيني خالد فراج لـ"شبكة الجزيرة"، ان "التجربة أثبتت أن السلاح هو اللغة الوحيدة التي تفهمها إسرائيل، ولن يتنازل عنه الفلسطينيون إلا في إطار تسوية سياسية شاملة".

▪︎ معضلة الحكم
نقلت "صحيفة واشنطن بوست" عن مسؤول أمريكي قوله: "الحل الأمثل هو عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة بعد إصلاحات جذرية"، وفي تحليلها للواقع على الأرض، اعتبر "معهد دراسات الأمن (INSS)" الإسرائيلي هذا المقترح وخلص إلى أن "السلطة الفلسطينية ضعيفة وغير قادرة على فرض سيطرتها في بيئة معقدة مثل غزة، حيث لا تزال حماس تمثل قوة اجتماعية وسياسية وعسكرية جبارة".
السيناريو المرجح، كما كشفه مصدر دبلوماسي قطري لـ"قناة العربية" عن أن "الحل قد يكون في فترة انتقالية طويلة يتم خلالها تشكيل حكومة وحدة وطنية أو إدارة تكنوقراط برعاية إقليمية". هذا يعني أن حماس قد تتنازل عن الحكم المباشر لكنها ستحتفظ بنفوذها الفعلي. لكن عبد الله الأشعل، الخبير في الشؤون الاستراتيجية، قد اوضح في حديث لـ"مركز الأهرام للدراسات"، أن "المعضلة ليست في من سيحكم غزة، بل في من سيمول عملية إعادة الإعمار ويوفر الحماية الأمنية. بدون إجابة على هذين السؤالين، ستبقى غزة كياناً هشاً قابل للانفجار في أي لحظة". بدوره، أشار نيثان بروان من "معهد بروكينغز"إلى أن "تجربة السنوات الماضية أثبتت أن محاولة استبعاد حماس من المشهد السياسي في غزة هو وصفة لفشل أي تسوية".
▪︎ معضلة الإعمار
الى ذلك أعلن الاتحاد الأوروبي، حسبما نقلت "وكالة فرانس برس"، عن عزمه تشكيل "مجموعة مانحة" لإعادة إعمار غزة، لكن مصدراً دبلوماسياً أوروبياً كشف لـ"شبكة سكاي نيوز عربية" أن "هناك خلافاً حاداً بين المانحين حول من سيشرف على عملية الإعمار، هل هي السلطة الفلسطينية أم هيئة دولية؟ أم أن الدول المانحة ستتعامل مباشرة مع إدارات محلية؟". وأشار تحليل لـ"شبكة CNN" إلى أن "إسرائيل والولايات المتحدة ستربطان تدفق الأموال بـ'نزع سلاح حماس وضمان أمن إسرائيل'، بينما ستسعى حماس والدول المانحة مثل قطر وتركيا إلى استخدام عملية الإعمار لتعزيز نفوذها وشرعيتها داخل القطاع". الإعمار هنا ليس مجرد بناء للبيوت، بل هو معركة سياسية مصغرة. في هذا الاطار، حذرت ميادة السويداني، الخبيرة الاقتصادية في "البنك الدولي"، من أن "تكلفة إعادة إعمار غزة قد تتجاوز 50 مليار دولار، وأن أي تأخير في بدء عملية الإعمار سيزيد من معاناة السكان ويقوض أي فرصة للسلام". بدوره، لفت الخبير السياسي التركي محمد علي شاهين في حديث لـ"وكالة الأناضول" إلى أن "عملية الإعمار يجب أن تكون جزءاً من رؤية سياسية شاملة، وليس مجرد عملية تقنية، وإلا فسنبني بيوتاً فوق بركان قد ينفجر في أي لحظة".

▪︎ سيناريوهات المستقبل
بناءً على تحليل مواقف الأطراف والتعقيدات السابقة، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات محتملة للمرحلة المقبلة:
أولا : "الجمود الهش" : السيناريو الذي رجحه حديث لمسؤول أمريكي سابق لـ"قناة الحرة" عندما قال: "نتوقع فترة طويلة من اللا حرب واللا سلم". في هذا السيناريو يتم تنفيذ المرحلة الأولى بنجاح (تبادل الأسرى، الانسحاب الجزئي)، وربما تتعثر مفاوضات المراحل التالية عند ملفي نزع السلاح والحكم، لكن يستمر وقف إطلاق النار بشكل هش، مع استمرار التوتر والغارات المستهدفة بين الحين والآخر.
ثانيا : "العودة إلى المواجهة" : حذرت "مجموعة الأزمات الدولية"، من أن "أي خرق أمني كبير أو عملية اغتيال يمكن أن يعيد الأمور إلى نقطة الصفر". في هذا السيناريو تندلع مواجهات محدودة تتسع بسرعة، وقد تعود إسرائيل للقتال، لكن باستراتيجية جديدة تركز على الغارات السريعة والحصار المشدد، كما حلل "معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)".وقدم تصوراته عن ما بعد فشل اتفاقات غزة وفق مبادرة الرئيس ترامب .
ثالثا :"التقدم البطيء" : يعتمد هذا السيناريو على ضغوط غير مسبوقة، قال الخبير الاستراتيجي عمر آشقر في حديث لـ"مركز الجزيرة للدراسات" انه "إذا استطاعت الوساطات الإقليمية، وخاصة مصر وقطر، فرض حوار فلسطيني - فلسطيني حقيقي، فقد نرى بداية لتشكيل حكومة وحدة وطنية". هنا قد تبدأ عملية إعمار محدودة في مناطق معينة، لكنها ستكون عملية بطيئة ومحفوفة بالمخاطر. من جانبه، قال جوناثان بانيكيان، مدير برنامج الشرق الأوسط في "مركز ستراتفور" أن "السيناريو الأكثر واقعية هو تناوب بين السيناريو الأول والثاني، حيث تمر المنطقة بفترات من الهدوء النسبي تتخللها موجات من التصعيد المحدود". بدوره، أوضح محمد المصري، الباحث في شؤون الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني في "جامعة الدول العربية"، أن "العامل الحاسم سيكون مدى قدرة الوساطات الإقليمية على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة ومنع أي تصعيد من الخروج عن السيطرة".

▪︎ تجاوز النظرة الصفرية
بعد عامين من الدمار، تقدم لنا غزة درساً قاسياً (العسكرة وحدها ليست حلاً) كما أشار تقرير لـ"معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولية (SIPRI)"، "الحلول العسكرية تخلق فراغاً سياسياً وأزمات إنسانية تزيد من تعقيد المشكلة". الاتفاق الحالي هو فرصة، لكنها فرصة هشة. النجاح في تحويلها إلى سلام دائم لن يعتمد على توقيع الأوراق، بل على قدرة الأطراف على تجاوز النظرة الصفرية للصراع، كما خلص الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في تصريحه، "يجب أن نغتنم هذه اللحظة لإرساء مسار سياسي ذي مصداقية نحو إنهاء الاحتلال والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير". الطريق إلى الأمام لا يزال طويلاً، والثقة بين الطرفين معدومة. المعادلة الصعبة التي ستحدد مصير غزة هي: هل يمكن تحويل "بارقة الارتياح" إلى "فجر للسلام"؟ الإجابة ليست في تحليلات المراكز البحثية، ولا البرامج الحوارية ، بل في الإرادة السياسية على الأرض، والتي، للأسف، لا تزال هي الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.








