
مهمة سافايا

د. محمد نعناع
4/12/2025، 9:57:00 ص
لم أكن قد اطّلعت مطلقاً، بصورة رسمية أو شخصية على الوعود التي قطعها مكماهون، ولا على معاهدة "سايكس - بيكو"، فجميعها كانت قد تمت عن طريق مكاتب الخارجية البريطانية،
وبما انني لم أكن أحمق؛ فقد رأيت أن وعودنا التي قطعناها للعرب، في حالة كسبنا الحرب، ستبقى حبراً على ورق. وهكذا كان عليَ، لو كنت مستشاراً شريفاً؛ أن أنصح رجالي بالعودة إلى ذويهم وديارهم عوضاً عن المخاطرة بحياتهم في سبيل قصص وخداع من هذا النوع.. هذا ما قاله (ت أ. لورنس) في كتاب "أعمدة الحكمة السبعة"، وهو كتاب طافح بالشهادات الجريئة. لقد فاض خطاب ما أصبح يسمى "لورنس العرب" بالندم الظاهري حول مهمته بالشرق الأدنى، لكن ما يسليه هو أن الشعوب الناطقة بالعربية لم تكن تطلب العون الإنجليزي من فراغ، بل كانت تمتلئ غيضاً حقيقياً على من يحكمها من خلف الحدود. ولمن يبتغي الاستزادة المعلوماتية من مسار الأحداث أثناء "الثورة العربية الكبرى" فليراجع وثائقها البريطانية والعثمانية، وكذلك الكتب التاريخية ومنها الكتاب المذكور، لأن هذه المقالة لا علاقة تربطها بهذا المسار إلا على نحو التشابه وليس التطابق، فالتاريخ لا يعيد نفسه، بل يُعاد جزء منه، فمن المستحيل أن يعود الشيء نفسه، وأنت لا تعبر النهر مرتين. وهذه المقدمة لا نستوحي منها في سياق مقالتنا إلا فكرتين، احداها سنبوح بها، وهي: متوالية التدخلات الخارجية في الشؤون العربية من قبل الدول الكبرى أو العظمى، والثانية سنتركها لفطنة القارئ المحترم.
منذ لحظة التاسع من نيسان 2003 نشأت تدخلات عميقة في الشؤون الداخلية العراقية، ولم يستطع الفاتح أو المحرر أو المحتل الأمريكي أن يضبط أوضاع العراق، وساهمت قرارات وتحركات الإدارة الامريكية وسلطة الائتلاف فيما بعد بإذكاء النزعات الجانحة لطلب العون من الخارج، ومن ذلك إعلان الأمريكيين لأنفسهم كمحتلين، لقد جر هذا القرار الخطير الويلات على العراق والعراقيين، حتى وإن تم تبريره لحماية الأموال العراقية في الخارج وتأسيس صندوق تنمية العراق للسيطرة على الموارد الدولارية كعوائد النفط والأصول العراقية المجمدة في كافة أنحاء العالم، والسؤال هنا: ألم تكن هناك صيغة مقبولة غير إعلان الاحتلال في مايو 2003 كمرحلة برزخية لانتقال العراق من النظام الديكتاتوري إلى نظام ديمقراطي! وعندما تصاعدت الطائفية والإرهاب وانهارت مهمة الإدارة الأمريكية في العراق ما بعد العام 2005، قررت واشنطن ايفاد الدبلوماسية (كارين هيوز) لتحسين سمعة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ولكن ذلك لم يحدث إلا بعد مشاركة واشنطن في التحالف الدولي ضد داعش، فقيادة أمريكا لهذا التحالف الدولي والانتصار على داعش بتصفية رؤوسه من خلال عمليات خاصة، أعاد شيئاً من التفوق الأمريكي في المنطقة، وصولاً إلى اسقاط نظام بشار الأسد الذي أجلى الوجود العسكري الروسي من منطقة واسعة جداً تمددت فيها الولايات المتحدة من جديد. وهنا شعرت واشنطن أنها بحاجة إلى مهمة خاصة في العراق، مهمة تتوالى فيها الأحداث للقضاء على النفوذ الإيراني في المنطقة، فجاء قرار تعيين مارك سافايا Mark Savaya وفي التاسع عشر من تشرين أول أكتوبر الماضي أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصته "تروث سوشيال" تعيين سافايا مبعوثاً خاصاً في العراق. تتلخص مهمة مبعوث ترامب بمحورين لا ثالث لهما كما تعلن الولايات المتحدة عبر مسؤوليها الرسميين وغير الرسميين وكذلك الأوساط النخبوية في مراكز التحليل والرصد والاستشراف، الأول: المحور السياسي ويتوجه مباشرة لصد النفوذ الإيراني إلى حد تقويضه في العراق، وأحدى أهم الآليات للقيام بهذا العمل الصعب هو تمكين المؤسسات العراقية الرسمية كما يعلن سافايا في تغريداته باستمرار، والثاني: هو المحور الاقتصادي ويركز على مسألتين، الأولى قديمة متمركزة في قلب نظام النقد العراقي وهي مسألة التحكم بالكتلة الدولارية التي تدخل إلى العراق، والثانية تحضير البيئة العراقية لدخول الشركات الأمريكية للاستثمار الدائم في العراق. إن تعريفاً واضحاً ومبسطاً لمهمة مارك سافايا يجعلنا ندرك بأن مهمته صعبة ومعقدة، وأيضاً تحتاج إلى وقت وإلى شبكة علاقات داخلية غير محدودة، فترتيب معادلة السلطة بعد نتائج الانتخابات الأخيرة من أجل تحقيق تمكين المؤسسات الرسمية أصبح صعباً، لا سيما أن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني كصديق مفترض لسافايا لم يحقق نتائج كبيرة يفرض من خلالها تنفيذ المسار الطوعي لضم الفصائل إلى معادلة السلطة الجديدة، بل ما سيحصل هو العكس، فإن الفصائل هي من ستملي على السوداني وكتلته شروطها، وبدى ذلك واضحاً في حضور السوداني لأول اجتماع للإطار التنسيقي دون أن يحصل من قادته على ضمانات للبقاء في منصبة لولاية ثانية. كما تبدو عملية تقويض النفوذ الإيراني بحاجة إلى جهود مركبة تدمج بين تغذية الحكومة العراقية بجرعات عالية من الاستقلالية، وبين دعم بديل موازي للنخبة الحاكمة والمتنفذة يزاحمها على الاستقطاب الاجتماعي، بمعنى أوضح خلق بديل ذي أيديولوجيا مغايرة يتمكن من وضع الشعب العراقي أمام خيارات حقيقية خالقة للمنافسة بين جهات فاسدة فاشلة تتحكم بها الأجندات الخارجية، وبين تيار ذي توجهات وطنية تحررية يملك مشروعاً تنموياً اقتصادياً يُنعش الاستثمار والقطاع الخاص الحقيقيين. في بداية حكومة السوداني حاولت السفيرة الأمريكية ألينا رومانسكي فصل الحكومة عن رحمها، ولكنها فشلت في هذه المهمة، رغم وجود مشاكل بين قوى الإطار التنسيقي والسوداني، ووصلت هذه المشاكل ذروتها قبيل الانتخابات وهي مستمرة لحد الأن، والملاحظ أن الأمريكيين يدركون إن امتيازات المليشيات مؤخرا، وقد حصدت الفصائل ثمار هذه الامتيازات عن طريق فوزها بالانتخابات الأخيرة، لقد توج مسار الضغط على الفصائل بخيبة أمل كبيرة، صحيح أن الانتخابات الأخيرة لم تكن منذ البداية تحدياً لقوى الاطار التنسيقي فيما يتعلق بالنتائج، ولم يراهن أي مفكر أو خبير استراتيجي محترف على تراجع هذه القوى، لأنها بلا منافس حقيقي منظم في بيئتها الاجتماعية وساحتها السياسية، وإذا كانت بلا منافس فلصالح من تتراجع!! لقد كان التعويل على دور ترتيبي لمعادلة السلطة في العراق يركز على مرحلة ما بعد الانتخابات، وهذا ما جعل ترامب يرسل مبعوثاً إلى العراق ويجمد إرسال سفير حسب البروتوكول أو سفيرٍ فوق العادة لإظهار الاهتمام بالملف العراقي. تدرك الأحزاب الشيعية والفصائل والمليشيات بأنها يجب أن تتعامل بعقلانية في المرحلة المقبلة، وهذا الادراك العقلاني هو ما جعلها تؤجل إقرار قانوني الحشد الشعبي، وهي في نفس الوقت منقسمة حول التوجهات السياسية والتحركات العسكرية، وبذلك سيبدو التصعيد مستبعداً إن لم تندلع حرب نهائية بين إيران وإسرائيل، يتأكد من خلالها - أي الحرب - لإيران وحلفائها أنها حرب القضاء على النظام الإيراني بالكامل، لأن هذا النطاق له حسابات أخرى. حتى هذه اللحظة لم تنهار مهمة سافيا فعليا، وما أشاعته الفصائل عن إنهاء مهمة المبعوث الترامبي ليس له أساس من الصحة، وهو ضمن سياق جس النبض والحرب النفسية والإعلامية، لأن هذه الفصائل تدرك بأن عودة سافايا خائباً يعني تقلص الخيارات السلمية تجاههم، لذلك لا يبدو مستغرباً أن تختار قوى الإطار التنسيقي رئيس وزراء جديد يستطيع التعامل مع مهمة سافايا بعقلانية ومرونة تخوفاً من رد فعل أمريكي عنيف. عند هذه النقطة سوف تحشد قوى الإطار التنسيقي كل ما تستطيع من قوة وعوامل ضغط وأوراق لعب داخلية وخارجية لإسناد النظام السياسي الذي تديره، وستحرص على استمرار رعاية واشنطن له. ولا يبدو أن الأمريكيين يرغبون بنسف المسار الطوعي الذي يريدون أن يدمجوا من خلاله أكبر قدر ممكن من الفصائل والواجهات الحزبية والجماعات المسلحة في العملية السياسية، وهذا ما سيبدو فضيلة بين الرذيلتين بالنسبة لكل القوى السياسية الشيعية، فلا التصادم مع الأمريكيين في مصلحة القوى السياسية والفصائلية الشيعية، ولا التقهقر تماماً والانبطاح لأمريكا يمثل خياراً واقعياً لهم، لأن الأخير سيجعلهم عراة أمام جماهيرهم، كما أن الأول سيحملهم ثمناً باهظاً لا يقوون عليه. إن مهمة سافايا سائرة نحو تطبيق "العصا والجزرة" وأي استعراضات في الإعلام ستبدو منفصلة عن الواقع، والعراقيون يجب أن يستفيدوا من تجارب التاريخ فلا يكونوا لينين فيُعصرون ولا متصلبين فيُكسرون، ولنا في الفترة الممتدة من تأسيس الدولة العراقية في عشرينيات القرن الماضي إلى سقوط نظام صدام عام 2003 أسوة وعبرة، لكل من يملك البصر والبصيرة والتفكير الرشيد.








