
منذ 2003... الإيرادات غير النفطية تسجل قفزة نوعية

مراصد
30/11/2024، 1:54:01 م
في تطور مالي لافت سجلت الإيرادات غير النفطية، في العراق إرتفاعا ملحوظا، بعدما قفزت من سبعة تريليونات دينار عراقي إلى سبعة وعشرين تريليون دينار في غضون عامين. وبحسب مراقبين إقتصاديين فان هذا الارتفاع الملحوظ يشير بوضوح إلى تحول استراتيجي نحو تنويع الاقتصاد وتعزيز استقراره.
وعزا مراقبون القفزة المتحققة في قطاع الإيرادات غير النفطية الى السياسة الإقتصادية التي إنتهجتها حكومة محمد شياع السوداني وتمسكها بتنفيذ ماجاء في منهاجها الحكومي في تقليل الإعتماد على النفط كممول رئيس لإقتصاد البلاد. وذكر رئيس مؤسسة "عراق المستقبل" للدراسات والاستشارات الاقتصادية، منار العبيدي، أن الإيرادات غير النفطية للدولة العراقية، نمت خلال الأشهر التسعة الأولى من 2024، بنسبة بلغت 198% لتصل إلى حاجز الـ 12.3% من نسبة مساهمتها بمجمل إيرادات الدولة العراقية.

▪︎ أول إنجاز من نوعه
في تدوينه له أوضح العبيدي، إن مجُمل الإيرادات غير النفطية للدولة العراقية، خلال هذه المدة، بلغ: 14 تريليون دينار عراقي مرتفعة عن نفس الفترة من 2023، التي كانت بحدود: 4.7 تريليون دينار عراقي.
وعلى الرُغم من انخفاض قيمة الإيرادات الناتجة عن الضرائب على الدخول والثروات بنسبة 17%، إلا أن ارتفاع الضرائب السلعية بنسبة 275%، وارتفاع حصة الموازنة من أرباح القطاع العام بنسبة 243%، ساهم بهذه الزيادة الكبيرة، وفقًا للعبيدي، الذي أكد أنه ولأول مرة منذ 2003، شكلت الإيرادات غير النفطية ما نسبته 12% من مجُمل الإيرادات وانخفاض نسبة مساهمة الإيرادات النفطية لتصل إلى 88% من مجُمل الإيرادات. مضيفا أن قيمة إجمالي الإيرادات لغاية أيلول/ سبتمبر 2024، بلغت ما قيمته، 114 تريليون دينار عراقي بارتفاع بلغت نسبته 19% مقارنة مع نفس الفترة من العام الماضي 2023، والتي كانت بقيمة 95.85 تريليون دينار عراقي. ويكشف العبيدي، أن تحسّن الإيرادات غير النفطية يعود لنتيجة الإصلاحات التي تمت على مستوى ملف الضرائب والجمارك، بالإضافة إلى تشجيع الشركات العامة الرابحة لزيادة مساهمتها بالإيرادات الحكومية ومن المتوقع أن تصل الإيرادات غير النفطية في سنة 2024 إلى حاجز الـ 18 تريليون دينار عراقي. وعلى الرُغم من ارتفاع هذا الرقم، إلا أنه ما زال بعيدًا عن الرقم المخطط له في الموازنة والبالغ بحدود: 28 تريليون دينار عراقي، لكن التحسّن في هذه الإيرادات يعكس نجاح الإصلاحات التي تمت في مجال الجباية والعمل على زيادة الدفع عبر المنافذ الإلكترونية، بحسّب العبيدي.
▪︎ عوامل مؤثرة
من جهته .. أعلن مستشار رئيس الوزراء للشؤون المالية، مظهر محمد صالح، ارتفاع الإيرادات غير النفطية مقارنة بالأعوام السابقة، فيما أشار إلى عاملين أسهما بتعظيم الإيرادات. وقال صالح في تصريح لوكالة الأنباء العراقية "واع": إن "هناك مؤشرات إيجابية ملموسة في تعاظم الإيرادات غير النفطية للعام 2024 مقارنة بالأعوام السابقة التي أخذت مستويات قياسية"، موضحاً أن "تطور الإيرادات النفطية وغير النفطية "على المستوى النصف سنوي" بين العامين 2023 و2024 قد أظهر نمواً مميزاً في الإيرادات عموماً، والإيرادات غير النفطية بشكل خاص، إذ أشرت تلك المعطيات الرقمية المالية المتاحة مستويات ملموسة من الإيرادات المالية". ولفت إلى، أن "الإيرادات النفطية "نصف السنوية" للعام 2024 بلغت 58.80 ترليون دينار، مقارنة بعام 2023 للفترة نفسها، حيث بلغت 53.88 ترليون دينار، في حين ارتفعت الإيرادات غير النفطية "في نهاية النصف الأول من العام 2024" لتصل الى 7.18 تريليونات دينار"، مقارنة بالعام 2023 حيث بلغت، قرابة 0.42 ترليون دينار "خلال الأشهر الستة الاولى. وأضاف صالح، أن "التطور الإيجابي في الإيرادات غير النفطية يعود إلى عاملين مهمين:
- العامل الأول: التطبيقات الواسعة للسياسات الحكومية في مجال إصلاح المالية العامة "تنظيمياً وإجرائياً" عبر مسارات تتماشى ومبدأ تعظيم الإيرادات غير النفطية التي نص عليها المنهاج الحكومي في الإصلاح المالي والقاضية برفع مساهمة الإيرادات غير النفطية الى20% من إجمالي الإيرادات السنوية مقارنة بالنسب السابقة المنخفضة". خاصة وأن "مجلس الوزراء أقر في وقت سابق من هذا العام 8 حزم جديدة لإصلاح النظام الضريبي في البلاد، يتقدمها مبدأ توسيع الأوعية الضريبية ولاسيما تلك الأوعية المتخفية أو المتهربة أو المهملة عن التحاسب الضريبي السنوي، حيث أُطلقت حتى اليوم حزمتان منها، وستطلق بقية الحزم بالتتابع والتدريج ضمن سياسة الحكومة الإصلاحية في المجال المالي وتعظيم موارد الدولة من مصادر الدخل والثروة من خارج القطاع النفطي".

- العامل الثاني: ينطلق من أهمية تطبيق عمليات الحوكمة الإلكترونية، لاسيما السير الجاد في تطبيق أنظمة الخدمات الرقمية بالتعاون والمساعدة الفنية والتنظيمية المقدمة مع الهيئات والمؤسسات المالية والتجارية التابعة للأمم المتحدة". وأن "اعتماد التطبيقات الرقمية في المنافذ الحدودية والمواقع الجمركية التي أخذت مفاصل مهمة من عمليات التدقيق والتخمين، فضلاً عن توسع نطاق الجباية الرقمية الجمركية والضريبية المتعلقة بالدفع الإلكتروني، عمل على تعظيم الموارد المالية غير النفطية وضبط التدفقات النقدية لمصلحة الخزينة، وهو أمر أخذ يصب في تكامل إجراءات تطبيق حساب الخزينة الموحد وفرض الانضباط المالي على التدفقات النقدية في المالية العامة والاتحادية في آن واحد".
▪︎ الاصلاحات الاقتصادية
وفي دراسة لمركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية ، بينت أن هذا النمو يرجع للعديد من الإصلاحات والمبادرات الاقتصادية المستهدفة وهي:
- إيرادات الضرائب على الدخول والثروات: ارتفعت الإيرادات من ضرائب الدخل بنسبة 118%، ما يعكس التنفيذ الناجح للإصلاحات الضريبية وتحسين امتثال دافعي الضرائب. يشير هذا الارتفاع الكبير إلى إعادة هيكلة فعالة للنظام الضريبي وتعزيز الرقابة المالية.
- إيرادات الضرائب السلعية : زادت الإيرادات من السلع بشكل كبير بنسبة 285%، ويمكن أن يعزى هذا النمو إلى تحسين تقنيات الإنتاج، وتوسع أسواق التصدير، والاستثمار الاستراتيجي في قطاع السلع الأساسية.
- تضاعف إيرادات الرسوم: شهدت الرسوم التي جمعتها الحكومة زيادة بنسبة 50%، مما يدل على تعزيز الكفاءة التنظيمية وإدارة أفضل للعمليات الإدارية. ويؤكد هذا النمو قدرة الحكومة على تحسين توليد الإيرادات من مختلف القطاعات.
- التطورات الصناعية والزراعية: للحفاظ على هذا النمو في الإيرادات ودعمه، فقد ركزت الحكومة العراقية على الاستثمارات الاستراتيجية والتقدم القطاعي.
- التوسع الصناعي: تم إجراء استثمارات كبيرة في القطاعات الصناعية الرئيسة، بما في ذلك إنتاج الأسمدة، والتصنيع الكيميائي، والمعدات العسكرية، ولم تعمل هذه الاستثمارات على توسيع القدرة الصناعية فحسب، بل زادت أيضًا من مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي.
- التقدم الزراعي: وسعت الحكومة الأراضي الزراعية من 5 ملايين إلى 7 ملايين دونم. ويهدف هذا التوسع إلى تطوير الإنتاج الغذائي المحلي، وتعزيز الأمن الغذائي، والحد من الاعتماد على الواردات الزراعية، وبالتالي تعزيز دور القطاع الزراعي في الاقتصاد.
▪︎ الإيرادات في تزايد
وعن أهمية الايرادات غير النفطية، أكد عضو لجنة الزراعة والمياه في البرلمان العراقي، ثائر مخيف، أن زيادة الإيرادات المالية غير النفطية شملت إيرادات الضرائب المتحققة، ولم تشمل إيرادات الصادرات الصناعية أو الزراعية. وأكد مخيف، في تصريح صحفي، عدم وجود وسائل لتحقيق الإيرادات الكاملة غير النفطية، كالتسويق الصناعي والزراعي وعمليات الإنتاج، بالإضافة إلى عدم استثمار إيرادات المنافذ الحدودية. وأوضح أن إيرادات المنافذ الحدودية للعراق تسيطر عليها أحزاب ومليشيات، مطالباً الدولة العراقية بالسيطرة على إيراداتها الجمركية والضريبية للحد من عمليات الفساد والتلاعب. وانتقد مخيف عدم تشريع قوانين برلمانية حقيقية تعمل على تحقيق التنمية المستدامة للعراق، بسبب تأثير دور الدول الإقليمية على العراق، لرفع صادراتها إلى العراق ومحاولة تعطيل عجلة الصناعة والإنتاج الوطني.

من جهته ..أوضح الباحث في الشأن الاقتصادي، نبيل المرسومي، أن "جزءاً من الإيرادات النفطية لا يدخل ضمن الحسابات المالية لوزارة المالية، لأنه يذهب إلى استحقاقات شركات جولات التراخيص النفطية بقيمة لا تقل عن 12 تريليون دينار عراقي".
وتوقع المرسومي، في تصريح صحافي، "أن يحقق العراق إيرادات غير نفطية تقدر بحدود 15 تريليون دينار عراقي مع نهاية العام الجاري". وأشار إلى أن الإيرادات المتحققة غير كافية، لأنها حصلت من الضرائب المفروضة على الدخول والثروات وليست متحققة من الضرائب المفروضة على القطاعات السلعية والإنتاجية والزراعية.
▪︎ جباية الرسوم
وفي سياق متصل .. كشفت اللجنة المالية في مجلس النواب، عن مساعيها لزيادة الإيرادات غير النفطية وتفعيل الجباية بقطاع الكهرباء، فيما أوضحت تفاصيل استضافتها لوزير الكهرباء زياد علي فاضل. وقال رئيس اللجنة عطوان العطواني، في حديث لوكالة الأنباء العراقية، إن "الإيرادات النفطية تشكل 90 % من إيرادات الدولة، وهذا يسبب وضعاً اقتصادياً غير مستقر"، مؤكداً على "أهمية تعزيز الإيرادات غير النفطية مثل الجمارك والضرائب وأجور الخدمات التي تقدمها المؤسسات سواء الماء أو الكهرباء". وأضاف، أن "اللجنة استضافت وزير الكهرباء زياد علي فاضل، لحل مشاكل كبيرة، منها عدم التزام المؤسسات الحكومية والقطاع السكني وشركات التمويل الذاتي بالجباية"، مبيناً أن "هناك استضافات أخرى له من أجل حل مشكلة الجباية". وأوضح العطواني، أن "وزارة الكهرباء تنتج 25 ألف ميغاواط، ولكن ما تحققه الوزارة من إيرادات يبلغ أقل من تريليون دينار، وهذا قليل جداً". وأشار إلى، أن "الحكومة تنفق أموالاً كبيرة على قطاع الكهرباء، وهناك طاقة منتجة بحدود 25 ألف ميغاواط، بالتالي لا يوجد ما يقابلها من مبالغ موازية لهذه الخدمة"، مبيناً أن "ديمومة الطاقة الكهربائية، تحتاج إلى صيانة وتعزيز بما يتعلق بدعم وزارة الكهرباء". وبين العطواني، أن "الوزير تحدث خلال استضافته عن دخول 4 آلاف ميغاواط للخدمة، جراء الوحدات المركبة التي من الممكن أن تعوض عن الحاجة للغاز". ولفت إلى، أن "الحمل الذي يحتاجه العراق يصل إلى 49 ألف ميغاواط، وهذا رقم كبير بحاجة إلى متابعة"، منوهاً بأن "هناك نقصاً يقدر بـ40% من حاجة العراق للطاقة الكهربائية". وأكد رئيس اللجنة المالية النيابية، أن "اللجنة ستستضيف وزيري النقل والاتصالات ووزراء آخرين، والتي تحقق وزارتهم إيرادات كما وردت في الموازنة، فضلاً عن استضافة مسؤولين من الجمارك والضرائب"، مشدداً على "ضرورة ألا تتحمل الحكومة كل شيء، وعلى المؤسسات أن تنهض بمهامها".








