
النفط مقابل الإعمار.. الإتفاقية العراقية الصينية والتطورات الجيوسياسة

مراصد
19/12/2024، 10:35:51 ص
سلط تقرير لموقع "ديبلومات" الأمريكي المتخصص بقضايا منطقة آسيا-المحيط الهادئ، الضوء على ما وصفه بـ"التطور الجيوسياسي الكبير" في المنطقة، حيث تعثر اتفاق "النفط مقابل الإعمار" المبرم بين العراق والصين والذي تبلغ قيمته 10 مليارات دولار، وهو ما يشكل نقطة تحول في ديناميكيات القوة في الشرق الأوسط.
وذكر التقرير، الذي ترجمته منصة "مراصد"، أن هذا المشروع الطموح الذي اطلق في البداية في سياق "مبادرة الحزام والطريق" في بكين في العام 2019، كان قد جعل من العراق كشريك رئيسي في استراتيجية البنية التحتية العالمية للصين، حيث انه بموجب الاتفاق، سيقوم العراق بتزويد الصين بـ 100 الف برميل من النفط يوميا مقابل تطوير بنى تحتية لشبكات نقل ومدارس ومستشفيات ومنشآت الطاقة. وبحسب التقرير، أعلنت السلطات الصينية عن توقف مؤقت لها بسبب قرار عراقي، معربة عن استعدادها لتقديم تطمينات للحكومة العراقية، ما يعكس عمق الأزمة ويطرح تساؤلات حول مستقبل العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وتأثيرها على المشهد السياسي في العراق والمنطقة.
▪︎ مخاوف متزايدة
واعتبر التقرير أن تعليق الاتفاقية جاء في ظل مخاوف متزايدة داخل القيادة العراقية بشان التداعيات الطويلة المدى الناتجة عن هذا الاعتماد القوي على الاستثمار الاجنبي، خصوصا في سياق التدقيق المتزايد على الاستراتيجيات الاقتصادية العالمية التي تنتهجها الصين. ولفت إلى أن هذا التأخير في الاتفاقية هو بمثابة "لحظة محورية بالنسبة للعراق وهو يعيد تقييم دوره في المشهد الجيوسياسي المتبدل في الشرق الاوسط، كما انه يسلط الضوء على التوازن المعقد بين الضرورات الاقتصادية وبين الاستقلال الاستراتيجي في عالم متعدد الاقطاب بشكل متزايد". ورأى التقرير الأمريكي، أن هذا التعليق للاتفاق، يمثل "تحولاً كبيراً في نهج العراق تجاه الشراكات الدولية، ما يعكس المخاوف الاقليمية الأوسع نطاقاً بشان التداعيات الطويلة الأجل للدبلوماسية التي تركز على البنية التحتية، فهو يسلط الضوء على التوازن الدقيق الذي يتعين على دول الشرق الأوسط أن تحافظ عليه بين الاستفادة من الاستثمار الأجنبي من أجل التنمية المحلية والحفاظ على استقلالها الاستراتيجي.

▪︎ إعادة تقييم
ونبه التقرير إلى أن "هذه الخطوة المتعلقة بشراكة العراق مع الصين تشير الى التعقيد المتزايد في كيفية تعامل الأطراف الاقليمية فيما يتعلق بالاتفاقيات الدولية الرئيسة، وخصوصاً المرتبطة منها بالبنى التحتية الحيوية وموارد الطاقة، مضيفاً أن الخطوة تسلط الضوء أيضاً على الطبيعة المتطورة لدبلوماسية الشرق الاوسط، حيث تجري إعادة تقييم التحالفات التقليدية والأخذ بالاعتبار ديناميكيات القوة العالمية المتغيرة. والى جانب ذلك، رأى التقرير في هذه الخطوة ما يظهر التعقيد المتزايد للعلاقات الدولية في المنطقة، حيث يتقاطع نفوذ الغرب تاريخياً مع الصين، القوة الاقتصادية الشرقية الناشئة، وكيف أن دول الشرق الأوسط تعمل على تطوير أساليب أكثر دقة من أجل إدارة علاقاتها مع القوى العالمية، والتحول من الخيارات الثنائية المحدودة الى استراتيجيات دبلوماسية أكثر تطوراً.
▪︎ مبادرة الحزام والطريق
ونوه التقرير الى ان هذه الشراكة تعود الى العام 2019، عندما قامت بغداد وبكين بإضفاء الطابع الرسمي على اتفاقية في إطار مبادرة "الحزام والطريق" الصينية التي كان من شأنها تأمين 10 مليارات دولار من التمويل الصيني لجهود إعادة الاعمار، وفق شروط واضحة على المدى الطويل حيث يزود العراق الصين ب 100 الف برميل من النفط يوميا لمدة 20 عاما مقابل تطوير بنى تحتية، بما في ذلك شبكات نقل، ومؤسسات تعليمية ومراكز رعاية صحية، وبنى تحتية للطاقة. وبالنسبة لبكين، فإن هذه الصفقة تمثل تقدما إستراتيجيا آخر في مبادرة "الحزام والطريق"، التي أدخلت أكثر من 123 مليار دولار في منطقة الشرق الأوسط التي تعتبر متحالفة تاريخياً مع الغرب، ما يعكس ثقة الصين المتزايدة في إظهار قوتها الاقتصادية خارج مناطق نفوذها التقليدية. وأضاف التقرير ان ذلك يمثل تحديا مباشرا للنظام الاقليمي القائم، خصوصا في القطاعات التي تهيمن عليها تقليديا المصالح الغربية، بحسب التقرير.

▪︎ قلق أمريكي
وأوضح التقرير، أن الولايات المتحدة تشعر بالقلق إزاء نفوذ الصين المتزايدفي العراق وفي ممرات الطاقة الحيوية، مذكراً بأن واشنطن استثمرت أكثر من 90 مليار دولار في إعادة إعمار العراق منذ العام 2003، وهي تتمتع بنفوذ كبير على القرارات الاستراتيجية لبغداد. وتابع التقرير أن هذا النفوذ الامريكي يبرز من خلال اعتماد العراق على الدعم المالي الخارجي والقروض الدولية، معظمها من المؤسسات المتحالفة مع الولايات المتحدة. ولفت التقرير، إلى أن الاقتصاد السياسي المحلي في العراق يضيف طبقة اخرى من التعقيد الى هذه المعادلة الجيوسياسية، موضحا ان القيادة العراقية تواجه ضغوطا قوية من اجل تأمين تطوير البنى التحتية.
▪︎ الخطاب السياسي العراقي
وأضاف أن شبح التبعية للخارج، يظهر بقوة في الخطاب السياسي العراقي، خصوصا في ظل تجارب البلاد تاريخيا مع القوى الخارجية. وتابع قائلا ان "هذه الديناميكية الداخلية تخلق قيوداً كبيرة على قدرة العراق على متابعة الاعتبارات الاقتصادية البحتة في شراكاته الخارجية". وأشار التقرير الى وجود أساسيات اقتصادية كامنة وراء هذا التوقف الاستراتيجي في صفقة النفط مقابل البنية التحتية، موضحاً أن الالتزام وفق الصفقة لمدة 20 عاما بإمدادات النفط المستمرة للصين، من شانه أن يحد من قدرة العراق على التكيف مع ظروف السوق المتغيرة، خصوصاً بالنظر الى التقلبات الكبيرة في أسعار النفط التي شهدتها السنوات الأخيرة، والتي تراوحت بين 20 دولارا و100 دولار للبرميل.
ورأى التقرير أن تردد العراق يظهر أن هناك وعياً اقليمياً متزايداً ازاء الحاجة الى الحفاظ على الاستقلال الاستراتيجي مع الاستفادة من الاستثمارات الصينية، مبيناً أن هذا التوازن الدقيق يظهر بشكل متزايد في كافة أنحاء المنطقة، من القاهرة الى الرياض، حيث تسعى الدول الى الاستفادة من المشاركة الاقتصادية الصينية دون المساس بمرونتها الاستراتيجية.
▪︎ العراق بين قوتين
الى ذلك أكد الخبير الاقتصادي ضياء المحسن أن الاتفاقية العراقية الصينية الضخمة، التي تقدر قيمتها بحوالي 10 مليارات دولار، تواجه ضغوطا أميركية قوية قد تعرقل تنفيذها. وأوضح، في حديث للجزيرة القطرية، أن الحكومة العراقية كانت تعتبر هذه الاتفاقية حلا آمنا لإعادة إعمار البنية التحتية المتضررة، إلا أن التطورات السياسية الإقليمية والدولية، وخاصة المنافسة المتزايدة بين الولايات المتحدة والصين، وضعتها في موقف محرج.
وحسب الخبير المحسن، يمثل التوازن الدقيق المطلوب في العلاقات العراقية مع القوتين العظمى، الولايات المتحدة والصين، تحديا كبيرا لبغداد خاصة في ظل التزاماتها الاقتصادية المتعددة، مؤكدا أنها تواجه صعوبة في اتخاذ قرار نهائي بشأن هذه الاتفاقية، حيث إن التراجع عنها قد يضر بعلاقاتها مع بكين، بينما قد يؤدي الإصرار على تنفيذها إلى زيادة التوتر مع واشنطن. وشدد على أن المصلحة الوطنية العراقية يجب أن تكون هي الأولوية في أي قرار يتعلق بهذه الاتفاقية، وأن الحكومة يجب أن تتجنب الضغوط الخارجية وأن تعمل على تحقيق التوازن في علاقاتها الدولية. ووفقا للمحسن، أثبتت التجارب السابقة أن العراق ليس ملزما بدفع أي غرامات في حال انسحابه من هذه الاتفاقيات، مما يمنحه هامشا أكبر من الحرية في اتخاذ قراره، محذراً من أنه قد يضطر إلى اتخاذ قرارات صعبة قد تؤثر سلباً على مستقبله الاقتصادي والسياسي إذا لم يتمكن من إيجاد حل وسط يرضي جميع الأطراف.
▪︎ اتفاقية مبهمة
من جانبه، يرى الخبير المالي علاء العقابي أن الاتفاقية العراقية الصينية غامضة وغير واضحة حتى بالنسبة للسياسيين المقربين من صنع القرار. ورغم مرور 5 سنوات على توقيعها، لا تزال بنودها المالية والجزائية غير معروفة بشكل دقيق، مما يفتح الباب أمام تفسيرات متعددة. ويقول للجزيرة القطرية إن غياب الوضوح حول شروط الاتفاقية يعود إلى عدم وجود مستند رسمي يوضح بنودها للجمهور، ما يجعل 95% من المطلعين على الشأن الاقتصادي والمواطنين على حد سواء، غير مدركين لمضمونها. وأشار الخبير المالي إلى أن بعض المراقبين يرون أن الاتفاقية قد أثارت استياء الولايات المتحدة، ما أدى إلى تداعيات سياسية في العراق، مثل إسقاط حكومة عادل عبد المهدي ومظاهرات أكتوبر/تشرين الأول 2019، مؤكدا أن تعليقها لا يمكن تفسيره إلا على أنه نتيجة لضغوط أميركية، خصوصا أن بغداد تمتلك قدرات كبيرة لتزويد الصين بالنفط. وبحسب العقابي، لعبت الأحداث الإقليمية الأخيرة دورا في هذا القرار حيث سعت الحكومة العراقية لتجنب مواجهة واشنطن، معتبرا أن "النفوذ الأميركي في العراق كبير وأن أي حكومة تحتاج إلى موافقة واشنطن لاتخاذ قرارات مهمة في السياسة الخارجية وحتى الداخلية"، وفق قوله.

▪︎ أزمة الطاقة العالمية
وأكد التقرير أن أزمة الطاقة العالمية التي سَرعتها عملية غزو روسيا لاوكرانيا، أضافت بعداً آخر لهذه الحسابات الجيوسياسية المعقدة، مرجحاً أن يتشجع العراق من أجل إعادة تقييم خياراته الاستراتيجية في سوق الطاقة العالمية، في ظل الطبيعة المتشابكة لسياسات الطاقة العالمية والقرارات الاستراتيجية الاقليمية. وخلص التقرير الأمريكي، إلى القول إن هذا التوقف في الاتفاق الصيني العراقي، هو أكثر من مجرد توقف مؤقت في العلاقات الثنائية، موضحاً أنه يشير الى إعادة ضبط للاستراتيجية الأوسع في الجغرافيا السياسية في الشرق الاوسط، مضيفاً أن القرار العراقي يظهر الحسابات المعقدة المطلوبة في عالم متعدد الأقطاب، ما يتطلب تحقيق التوازن الدقيق بين التنمية الاقتصادية، والسيادة الوطنية، والمصلحة الاستراتيجية.
▪︎ تنافس القوى العظمى
وختم التقرير، بالإشارة إلى أنه في ظل استمرار بكين في توسعها الاقتصادي من خلال "الحزام والطريق"، فان تعاطي دول الشرق الاوسط مع ذلك سيشكل بدرجة كبيرة مستقبل ديناميكيات القوة الاقليمية، ولهذا فان هذا التوقف الاستراتيجي في الاتفاقية الصينية – العراقية، يعتبر بمثابة دراسة حالة مهمة في الجغرافيا السياسية، وكيفية انتقال الدول في تقاطعات التنمية الاقتصادية والاستقلال الاستراتيجي، والتنافس بين القوى العظمى، خصوصاً في مناطق العالم الأخرى حيث تتقاطع المصالح الصينية والغربية وتشهد تنافساً على النفوذ.








