
أزمة متفاقمة... معاشات الموظفين تشل حركة السوق في كردستان

مراصد
21/12/2024، 1:53:58 م
تتصاعد الاضرابات داخل الدوائر الحكومية في اقليم كردستان العراق، فيما تشهد مدينة السليمانية دون غيرها من مدن الإقليم موجة من التظاهرات والإعتصامات، احتجاجًا على تأخر صرف الرواتب الشهرية لعموم الموظفين ولأكثر من 90 يومًا.
المشهد بات يتكرر بين حين وآخر ليعكس خفايا أزمة حادة وعميقة تمتد جذورها الى نحو عشر سنوات، ويُعد ملف تهريب النفط أحد أبرز أسباب الأزمة التي تلقي بظلالها على حياة الموظفين وأسرهم في المحافظات التابعة لإقليم كردستان العراق. جذور الأزمة تعود لتوتر العلاقة بين المركز والإقليم عام 2014، خاصة فيما يتعلق بإدارة موارد الطاقة والثروات الطبيعية وآليات توزيع الإيرادات، كما يُنظر إلى تهريب النفط كعامل مباشر وأحيانا غير مباشر يؤثر على تمويل الرواتب، ما يعكس ضعف الالتزام بالاتفاقيات بين الطرفين وانعدام الشفافية في إدارة الموارد والثروات. وبرغم كل الإتفاقيات الناتجة عن سلسلة طويلة من المفاوضات والزيارات المستمرة لوفود حكومة الإقليم، إلا أن ملف رواتب الموظفين مازال يشكل أزمة مستعصية متصدرة أبرز المشكلات العالقة بين أربيل وبغداد، حيث تؤكد الحكومة العراقية ضرورة تسليم أربيل نفطها إلى بغداد وأن يتم التصدير من خلالها، بينما ترفض حكومة كردستان ذلك، ما أدى الى قطع بغداد رواتب جزء كبير من موظفي الإقليم ودفعها إلى آخرين على شكل متقطع وغير منتظم منذ عام 2014، إلى أن توقفت المرتبات نهائياً في أكتوبر تشرين الأول 2017 مع تداعيات استفتاء الانفصال. وكان مساعد رئيس مجلس وزراء إقليم كردستان للشؤون الاقتصادية والإدارية، ريباز حملان، قد اتهم، في 4 أكتوبر تشرين الأول الماضي، حكومة بغداد باختلاق المبررات والأعذار لتأخير إرسال الرواتب، لافتا إلى أن "وزارة المالية الاتحادية لديها بعض الملاحظات على قوائم الموظفين خاصة بالنظام "البايومتري"، وعلى بعض الترفيعات في بعض الدوائر الحكومية في الاقليم".

▪︎ بداية الأزمة
وبدأت مشكلة المرتبات في إقليم كردستان قبل 9 سنوات نتيجة خلافات مالية وسياسية بين أربيل وبغداد من أهمها إتهام بغداد للإقليم بعدم الإيفاء بحصته النفطية المحددة في قانون الموازنة الاتحادية التي تلزمه بتسليم 250 ألف برميل من نفطها إلى بغداد. وطبقاً لإحصاءات رسمية صادرة عن حكومة الإقليم، فقد عمدت السلطات هناك عام 2015 إلى ادخار 4 أشهر من رواتب الموظفين لعجزها عن السداد. وفي عام 2016، وزّعت السلطات رواتب الموظفين بنسب استقطاع متفاوتة تتراوح بين ربع إلى نصف الراتب، وفي عام 2017 وزعت بنفس النظام رواتب الموظفين لمدة 11 شهراً فقط، وتكرر الأمر نفسه في العام التالي. وشهد عام 2019 توزيع رواتب الموظفين كاملة من دون استقطاع أو ادخار، وفي عام 2020 وزعت السلطات 4 رواتب مدخرة فقط بسبب جائحة "كورونا"، وتكرر نظام الادخار في 2021، وتسلم الموظفون خلالها مرتبات 6 أشهر. وفي 2022، كان العام الوحيد الذي تسلم موظفو الإقليم مرتباتهم بشكل كامل دون ادخار، وواصلت السلطات توزيع المرتبات بشكل كامل في 2023 قبل أن ينتهي الربع الأخير من العام دون تسلُّم أي مرتب. وتؤكد بعض المصادر الكردية أن أقل الموظفين أجراً ربما لديه ما لا يقل عن 20 مليون دينار في ذمة سلطات الإقليم، بينما يصل ما بذمة السلطات من ديون لكبار الموظفين إلى أكثر من 100 مليون دينار "نحو 70 ألف دولار".
▪︎ قرارات المحكمة الاتحادية
وأصدرت المحكمة الاتحادية في 21 شباط الماضي، قراراً يلزم بتوطين رواتب موظفي ومتقاعدي ومستفيدي شبكةالرعاية الاجتماعية في إقليم كوردستان "لدى المصارف الحكومية الاتحادية العاملة خارج الإقليم وتخصم من حصة الإقليم المحددة بموجب قانون الموازنة لهذه السنة". المحكمة سمحت للوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة والدوائر الفرعية التابعة لها في إقليم كردستان "التنسيق المباشر مع وزارة المالية الاتحادية لتنفيذ ذلك ومفاتحتها بشأن التوطين دون الرجوع الى ممثلية إقليم كردستان". وأكدت على جميع المصارف التابعة للمدعى عليه الأول "الحكومة الاتحادية" "تسهيل عملية التوطين واتباع جميع السبل اللازمة لإمكانية حصول المستفيد "موظف أو مكلف بخدمة عامة أو متقاعد أو مستفيد شبكة الحماية الاجتماعية" على راتبه في محل إقامته من خلال المنافذ المنتشرة في الإقليم أو المصارف المفتوحة فيه والمرخصة من قبل البنك المركزي العراقي".

▪︎ زيارات مكوكية ولكن ؟
وبرغم الزيارات المكوكية لوفود الإقليم المالية والسياسية الى بغداد إلا إنها لم تفضِ الى حل دائم لإزمة مازالت تؤرق وترهق عموم الموظفين في كردستان. وفي هذا السياق استقبلت وزيرة المالية، طيف سامي محمد ، في 15 ديسمبر كانون اول الحالي، وفدًا من حكومة إقليم كردستان برئاسة وزير المالية، للتباحث كما جرت العادة بشأن رواتب موظفي ومتقاعدي الإقليم”. وشهد اللقاء الاتفاق على عدة نقاط أهمها إرسال وفد فني من دائرة المحاسبة في وزارة المالية الإتحادية، إلى وزارة المالية في حكومة الإقليم بهدف مساعدتهم بتعديل موازين المراجعة الشهرية المتعلقة بصرفيات الرواتب والتقاعد وفقاً لإعمام دائرة المحاسبه رقم "2421" في 30 كانون الثاني يناير الماضي، وبناءً على توجيهات رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، اتخذت دائرة المحاسبة مايلزم لإطلاق رواتب موظفي الإقليم لشهر تشرين الثاني ابتداءً من تأريخ 16 كانون أول ديسمبر، على ان يتم استكمال بقية المعالجات والملاحظات بالتنسيق مع الفريق الوزاري بالاضافة الى إجراء المناقلات اللازمة لمعالجة التجاوزات المالية المرتبطة بمستحقات المتقاعدين، والبالغة "430" مليار دينار، استنادا الى احكام المادتين "5/اولا" و "77/اولا" من قانون الموازنة العامة الاتحادية رقم "13" للسنوات "2023 و 2024 و 2025"، على أن تجري معالجة باقي الملاحظات بالتنسيق مع الفريق الوزاري الفني خلال عشرة أيام، اعتبارًا من ، 15 كانون الأول الحالي، اضافةً الى مراجعة أعمال اللجنة المشكلة بموجب الأمر الديواني رقم " 24660 "، والتي تستلزم حضور ممثلي الإقليم للجنة المذكورة ويلتزم الاقليم بصرف مستحقات الرواتب لشهر تشرين الاول الممولة لها من قبل دائرة المحاسبة، واستمرار المباحثات والمتابعة مع اللجنة، لدراسة الموضوع بشمول متقاعدي الاقليم بقانون تقاعد موظفي الدولة لسنة 2019.
▪︎ بغداد تنفي
وأكدت وزارة المالية الاتحادية، أنها مستمرة بتمويل رواتب الموظفين في إقليم كردستان وفق السياقات القانونية، نافية ما يتردد بشأن تعمدها تأخير إطلاق الرواتب لعدة أشهر. وذكرت الوزارة في بيان، أنها "تود أن توضح الحقائق بشأن ما تناقلته بعض صفحات التواصل الاجتماعي مؤخراً حول تعمد وزارة المالية بعدم صرف رواتب موظفي إقليم كردستان لأربعة أشهر، حيث تؤكد أن هذه الادعاءات عارية عن الصحة تماماً، وتشدد على التزامها الكامل بتنفيذ التزاماتها المالية وفق القوانين والإجراءات النافذة دون أي تقصير". وبينت أنها قامت بتمويل رواتب موظفي إقليم كردستان لشهري تشرين الأول أكتوبر وتشرين الثاني نوفمبر من العام الحالي، حيث جرى تحويل المبالغ اللازمة إلى الجهات المختصة. ولفتت الوزارة إلى أن "الإقليم لم يلتزم بالآلية المعتمدة من قبل وزارة المالية الاتحادية في التمويل لوجود خلل في موازين المراجعة لديهم، ما تسبب في تأخر صرف الرواتب". من جهتها..أعلنت وزارة المالية والاقتصاد في إقليم كردستان أن وزارة المالية في الحكومة الاتحادية أرسلت أكثر من 631 مليار دينار لتمويل رواتب شهر تشرين الثاني نوفمبر الماضي. وقالت المالية الكردستانية في بيان، إن وزارة المالية العراقية أودعت فقط 631 ملياراً و335 مليون دينار في حساب فرع أربيل للبنك المركزي العراقي لتمويل رواتب شهر تشرين الثاني نوفمبر للموظفين ومن يتقاضون الرواتب في إقليم كردستان.

▪︎ دعم قرارات الإتحادية
وبالحديث عن هذا الملف حمل النائب السابق غالب محمد حكومة الإقليم المسؤولية المباشرة عن تأخير صرف الرواتب الموظفين في الاقليم، معتبرًا التهرب من تنفيذ قرارات المحكمة الاتحادية أمر غير مبرر. وأوضح محمد في تصريحات صحفية ، ان "حكومة الاقليم تستمر شهريًا في تقديم مبررات متكررة لتأخير صرف رواتب الموظفين رغم وجود قرار واضح من المحكمة الاتحادية يلزم بصرف الرواتب بعيدًا عن القضايا الخلافية بين بغداد وأربيل"، مشيراً الى أن "الملفات العالقة مثل تصدير النفط وقانون الموازنة لا ينبغي أن تؤثر على حقوق الموظفين". ويضيف محمد، إن "الحزب الديمقراطي الكردستاني يستغل ملف النفط كأداة ضغط على الحكومة الاتحادية للسماح له بتصدير النفط وفق العقود السابقة التي أبرمت دون تنسيق مع بغداد". مبينا، أن "حكومة الإقليم تتحمل مسؤولية مباشرة في تأخير الرواتب دون وجود أي مبررات للتنصل من تنفيذ قرارات المحكمة الاتحادية". الى ذلك أكد القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني، غياث السورجي، دعمه لقرارات الحكومة الاتحادية في بغداد بشأن توزيع رواتب موظفي ومتقاعدي الإقليم. وبين السورجي، إن "شريحة الموظفين في إقليم كردستان، ما تزال تعاني من مشكلة عدم دفع الرواتب دون وجود حلول تخفف عن كاهلهم المعيشي". مضيفا، "إن شريحتي الموظفين والمتقاعدين في إقليم كردستان تعانيان من قلة الرواتب وتأخيرها وقطعها رغم استمرار تصدير النفط من قبل حكومة كردستان". وأشار السورجي، الى ان "قرار المحكمة الاتحادية العليا في بغداد بشأن توطين رواتب موظفي ومتقاعدي إقليم كردستان يمثل ميزانية مستمرة لهم". وتابع، ان "الاتحاد الوطني الكردستاني يدعم بقوة قرار الحكومة الاتحادية بشأن توطين رواتب موظفي ومتقاعدي الإقليم وتوزيعها عبر المصارف الفيدرالية العراقية".

▪︎ اتهامات متبادلة
وبشأن الاتهامات المتبادلة ..نفت وزارة المالية والاقتصاد في إقليم كردستان، وجود أي أخطاء في الكتب المرسلة إلى بغداد بشأن رواتب الموظفين الكرد. وقال المتحدث الرسمي باسم الوزارة في مؤتمر صحفي، يوم الخميس 12 ديسمبر كانون أول الحالي، إن "قناة فضائية نشرت اخباراً تفيد بوجود أخطاء في الكتب الرسمية التي أرسلتها الوزارة إلى بغداد". وأكد جمال، وجود علاقة قوية مع وزير المالية الاتحادي وقد تم حل الجزء الأكبر من المشكلات الفنية بهذا الملف". من جانبه، قال أبو بكر علي، مدير عام الموازنة في نفس المؤتمر إن "وزارة المالية بذلت جهوداً كبيرة لتوفير رواتب الموظفين"، مردفاً بالقول: "منذ بداية عملي أرسلت 7 كتب إلى بغداد حول هذه المسألة، ولا توجد أية اخطأ كما روجت بعض وسائل الإعلام خلال الأيام الماضية".
وفي المؤتمر نفسه، أشار ريياز عباس، المتحدث باسم وفد مالية كردستان في بغداد، إلى أن حكومة الإقليم تعاملت بمهنية مع هذا الملف خلال الفترة الماضية، وقوائم رواتب الموظفين في الإقليم أرسلت إلى بغداد قبل بعض الوزارات الاتحادية".
▪︎ مشكلة مستدامة
وفي سياق متصل دعا وكيل وزير المالية الأسبق فاضل نبي، إلى حل الخلافات حول طريقة إرسال قوائم رواتب موظفي الإقليم، والمبالغ والأعداد بسلة واحدة. وقال نبي في حديث صحافي، إن "المشاكل كثيرة بين الإقليم وبغداد"، مستدركا "لكن مشكلة الرواتب كان من المفترض ان تحل من خلال قرار المحكمة الاتحادية، وعلى وزارة المالية العراقية ان تدفع رواتب الموظفين في الإقليم". وأضاف أن "بعض المشاكل نتيجتها سوء الفهم بين الطرفين، فدائما بغداد لديها ملاحظات على القوائم المرسلة من الإقليم التي ترسلها وزارة المالية في كردستان، وكل شهر تظهر مشكلة جديدة". وأشار إلى أن “الصورة الرئيسية من المفترض ان الطرفين يجلسوا جلسة مغلقة، وينهوا كل هذه المشاكل”، مشددا على “ضرورة حل المشاكل بسلة واحدة، وأن يتم الاتفاق على طريقة إرسال القوائم، والمبالغ والأعداد”.
وبين أن “موظفي الإقليم عينهم على بغداد كي ترسل الرواتب، والتأخير يؤثر على الوضع المجتمعي للمواطن”. ولفت وكيل وزير المالية الأسبق إلى أن "المشاكل ليست كبيرة وبالإمكان حلها، لو توفرت الإرادة والنية للحل بين الطرفين". وعاش الموظفون في الإقليم، أزمات متوالية طيلة السنوات الماضية، أدت إلى شلل تام في الأسواق نتيجة تأخر صرف الرواتب وتطبيق نظام الادخار الإجباري الذي مارسته حكومة إقليم كردستان لسنوات عدة، بعد اعتماد رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي سياسة "التقشف"، بالإضافة إلى الخلافات المالية بين بغداد وأربيل، مما أدى إلى أزمة خانقة وكبيرة.








