
بين مؤيد ومعارض... زيارة الشطري تكسر حاجز الجمود بين دمشق وبغداد

مراصد
29/12/2024، 12:26:44 م
تضاربت الآراء والمواقف بشأن الزيارة المثيرة للجدل التي قام بها رئيس جهاز المخابرات العراقي، حميد الشطري، إلى دمشق، وما تشكله من انعكاس على مسار العلاقات بين العراق وسوريا بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد على أيدي الفصائل المسلحة.
زيارة الوفد الأمني رفيع المستوى، التي بدت مفاجئة وإن كانت متوقعة، أحدثت انقساماً حاداً داخل القوى السياسية الحاكمة للمشهد السياسي، فضلاً عن الشارع العراقي، بين مؤيد ومعارض. في حين ترددت داخل الأوساط العراقية أن وفدين غير رسميين سبقا وفد الشطري إلى سوريا والتقيا القيادة الجديدة، من دون تأكيد رسمي من العاصمتين.
الانقسام العراقي الحاد، سواء كان سياسيا أم مجتمعياً، يتعلق بأحمد الشرع، المعروف سابقاً بـ”أبو محمد الجولاني”، ونشاطه في العراق حينما كان منخرطاً في تنظيمات أصولية نفذت أعمالاً على مدار سنوات.
▪︎ إنقسام حاد
في العراق، يتداخل الانقسام السياسي بالمجتمعي نتيجة الانحيازات الأيديولوجية المسبقة. فقد انقسم المشهد العام إلى رؤيتين: سنية متساهلة مع الحكم الجديد في سوريا، وشيعية ترى فيه خطراً قادماً نظراً إلى الماضي “الجهادي”، للجولاني، حتى قبل أن يكشف عن اسمه الحقيقي “أحمد الشرع”، والذي كان قد خاطب رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني مباشرة، عبر رسالة هاتفية دعاه فيها إلى فتح صفحة جديدة مع الثوار الجدد، مبيناً أن جبهته، “هيئة تحرير الشام”، ليست لديها مطامع في العراق. السوداني من جهته تحدث في البرلمان العراقي عن رؤيته لتطورات الأحداث في سوريا قبل السيطرة على العاصمة دمشق من قبل عدة فصائل معارضة مسلحة، وفي مقدمتها فصيل الجولاني بيومين تقريباً. لكنه تجاهل رسالة قائد “هيئة تحرير الشام” إليه ولم يعلق عليها سلباً أو إيجاباً، بل وحتى تلميحاً. فیما تحرّك العراق بسرعة سياسياً وأمنياً، وعمل على تحصين حدوده كي لا يتكرر سيناريو 2014، عندما دخل تنظيم “داعش” من داخل الأراضي السورية على نحو مباغت ليحتل ثلث الأراضي العراقية. وسياسياً، عبر زيارات سريعة قام بها السوداني إلى كل من السعودية والأردن، فضلاً عن مشاركته في مؤتمر الدوحة لمجموعة الاتصال العربية.

▪︎ بين الذهاب والانتظار
في الوقت الذي بدأت فيه الوفود العربية والأجنبية تتدفق على سوريا الشرع، فإن العراق المجاور، والأكثر اهتماماً بالوضع السوري، لم يرسل وفداً إلى دمشق. مع أن دمشق، وطبقاً لكل المؤشرات، كانت تنتظر الوفد العراقي ربما أكثر من بقية الوفود. المعلومات شبه المؤكدة تشير إلى حصول لقاءات سرية مع الشرع من قِبل شخصيات عراقية، لكن لم يُعرف فيما إذا كانت هذه الشخصيات قد أُرسلت من قِبل السوداني شخصياً أم هي من تبرعت لجس النبض نتيجة علاقات لبعض هذه الشخصيات مع الطرف القوي حالياً في المعادلة السورية، وهم الأتراك. السوداني وفريقه السياسي يراقبون التطورات والتحديات والانقسامات في الرأي العام العراقي، السياسي والمجتمعي، لذلك فإن إرسال وفد في وقت مبكر بدا نوعاً من الاستعجال الذي لم يرد من خلاله السوداني زيادة شرخ الانقسام المجتمعي داخل العراق. وبين الترقب والانتظار من جهة وحسم الموقف من الوضع الجديد في سوريا جاءت زيارة الوفد العراقي رفيع المستوى لدمشق من جهة ثانية.
▪︎ أمني أم سياسي؟
في قراءة لمشهد لقاء الشرع مع الشطري، يرى مراقبون أن الطريقة التي استقبل بها الشرع رئيس الوفد العراقي حميد الشطري بدت لافتة. فالاستقبال تجاوز البروتوكول، سواء لجهة خروج الشرع خارج المكتب واستقباله الشطري عند بوابة القصر، أو وضع العلم العراقي إلى جانب العلم السوري. الشطري ليس نظيراً للشرع بروتوكولياً، لكن ذلك كله يعكس طريقة اهتمام سوري بالزائر العراقي الغامض؛ كونه رئيساً لجهاز المخابرات، وكان سيتحدث بما يتجاوز دوره طبقاً للرسالة التي حملها من رئيسه السوداني إلى الشرع.

▪︎ ارتياح وقلق
ومع أن العراقيين عبّروا عن ارتياحهم لطريقة وأسلوب الاستقبال، لكنهم في النهاية وجدوا ما ينقسمون بشأنه مرة أخرى. ففي حين بدا الشطري رابط الجأش وهو يمدّ يده لمصافحة الشرع، بادر الأخير بتقبيل الشطري. إلا أن اللقطة التي ظهر فيها الشرع وهو ينحني مقبلاً الشطري، بينما يحمل مسدساً بكاتم للصوت على ظهره تحت السترة، فتحت باب الجدل من جديد. هناك من عدّ الشرع ما زال متمسكاً بخلفيته كمقاتل في التنظيمات المسلحة، وهناك من رأى أنها في كل الأحوال رسالة سلبية ليست في وقتها ولا محلها. وبين هذا وذاك، فإن انقساماً آخر ظهر بين العراقيين، إذ رأى البعض أن الوفد أمني فقط، بينما اعتبر آخرون أنه سياسي أيضاً. وبين ما هو أمني وسياسي سوف يستمر الجدل العراقي لفترة مقبلة حتى تُحسم الأمور بخطوة أخرى سواء جاءت من دمشق أومن بغداد.
▪︎ خطوة بقرار عراقي
واللافت في الأمر التزام القيادات السنية والكردية الصمت حيال زيارة الوفد العراقي إلى دمشق؛ مما يُفسّر على أنه رضا. في المقابل، انقسم الشيعة بين مؤيد صامت للزيارة ورافض معلن لها، حتى ضمن قوى “الإطار التنسيقي الشيعي”. طبقاً لتصريحات أدلى بها، الجمعة، قياديون من منظمة بدر وائتلاف دولة القانون، تمت الزيارة بناءً على ضغوط أميركية. مسؤول في منظمة بدر، محمد مهدي البياتي، قال في تصريح إن “لقاء الوفد العراقي مع الشرع يأتي في سياق الضغوط الأميركية الرامية إلى تبييض صفحته وتبرئته من الجرائم التي ارتكبها في العراق والمنطقة؛ بهدف فرض أمر واقع جديد”. واصفاً الشرع بأنه “إرهابي”. وأضاف البياتي أن “سياسة فرض المجرمين وأصحاب السوابق على الشعوب ليست بالأمر الجديد في الاستراتيجية الأميركية، بل تمثل نهجاً قديماً ومستمراً يعكس سعيها الدائم إلى دعم شخصيات تتماشى مع تاريخها الحافل بالجرائم”. أما القيادي في ائتلاف دولة القانون، عصام الكريطي، فقد أكد من جانبه أن إرسال الحكومة العراقية وفداً رسمياً يمثّلها إلى دمشق واجتماعه مع الإدارة السورية الجديدة، جاء بضغوط أميركية. في حين اكد مصدر مقرب من مكتب رئيس الوزراء ل "مراصد" بان "قرار ارسال الوفد عراقي بحت، وناجم عن تقييم مدروس حول جدوى ارسال الوفد الأمني للوقوف على الاحداث الجارية في سوريا، وماهي طبيعة التغيير على الارض" مشددا، " بأن الحكومة العراقية ليست بحاجة الى أخذ أذن من أحد للتحرك داخليا أو خارجيا. فضلا على إنها أي الحكومة لاتخضع لأي ضغوطات سواء إقليمية كانت أو دولية" على حد قوله، واصفا "الزيارة بأنها جاءت بقرار عراقي صرف".
▪︎ كسر حالة الجمود
ورأى آخرون أن زيارة الشطري لدمشق كسرت حاجز الجمود العراقي - السوري على خلفية التغيرات التي شهدتها دمشق مؤخرا، تمهيداً لتفاهمات ترطب العلاقات بين البلدين. زيارة رئيس جهاز المخابرات العراقية، حميد الشطري، المعلنة إلى العاصمة السورية دمشق، وهي الأولى لمسؤول عراقي رفيع إلى الدولة الجارة منذ إسقاط نظام بشار الأسد، جاءت لإستكشاف الغموض الذي رافق مايجري في سوريا وتوقف علاقات البلدين منذ فرار الأسد إلى روسيا. فيما شرع العراق من جانبه بعد إسقاط نظام الأسد بمراجعة سياسته الأمنية والعسكرية وإتخاذ سلسلة تدابير إحترازية من بينها زيادة التحصينات على طول الشريط الحدودي البالغ أكثر من 600 كم، تحسباً لتسلل مسلحين إلى الداخل العراقي.
▪︎ تقريب وجهات النظر
زيارة الشطري لدمشق، وفقاً لمحللين، تناولت عدة محاور تركزت حول تقريب وجهات النظر وخلق الأجواء المناسبة لتفاهمات بين الحكومة العراقية والسورية. ووفقاً لعضو لجنة الأمن والدفاع في مجلس النواب ، محمد حسن راضي، فإن العراق يريد أن يضع قدمه في الاتجاه الصحيح، مشيراً إلى أن وضع الحدود بين العراق وسوريا آمن جداً.
▪︎ رسالة تطمين
أما بخصوص إمكانية إعادة فتح الحدود بين البلدين، فيُرهن عضو لجنة الأمن والدفاع ذلك باستقرار الوضع في سوريا. رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني من جانبه، أكد حرص العراق على وحدة الأراضي السورية واستعداده لدعم عملية سياسية شاملة في سوريا دون التدخل بشؤونها، في رسالة واضحة معناها أن العراق يريد النأي بنفسه عن أي مشاكل إقليمية قد تحصل.








